مختلفات

مقال صحفي: القنيطرة بين مطرقة التجديد وسندان الهوية

مقال صحفي: القنيطرة بين مطرقة التجديد وسندان الهوية

بقلم سهام زيان

حين أعود إلى القنيطرة، لا أبحث عن الخرسانة الحديثة ولا عن الواجهات البراقة. أبحث عن روح المكان — ذلك الشيء غير المرئي الذي يجعل المدينة “مدينتك” لا مجرد عنوان في بطاقة التعريف الوطنية.

لكنني اليوم أقف أمام مشهد يقلقني كصحفية وكابنة لهذه المدينة في آنٍ واحد: القنيطرة تُهدَم قبل أن تُفهَم.

حين يصبح التجديد محواً

لا أحد ضد التطوير. المدينة كائن حي، تنمو وتتغير، وهذا حقها الطبيعي. لكن الفرق كبير بين مدينة تتطور ومدينة تُمحى.

حين تسقط بناية قديمة في القنيطرة، لا يسقط معها الحجر والجير فقط. يسقط معها ذاكرة جماعية — حكاية حيٍّ، طراز معماري، صوت جيل كامل قال “أنا كنت هنا.”

ابناء المدينة اليوم يمشون في شوارع لا يعرفونها. من الغرب إلى الشرق، من الشمال إلى الجنوب — تبديلات وتغييرات أفقدت المدينة خريطتها الحميمة، تلك الخريطة التي لا تجدها في Google Maps بل في قلب من وُلد هنا.

الأرض موجودة… فلماذا الهدم؟

هنا يصبح السؤال مشروعاً بل وضرورياً:

القنيطرة مدينة فيها أرض. فيها فضاء. فيها إمكانية للتوسع.

إذا كانت الرؤية هي بناء القنيطرة الحديثة، ذات الطابع العمراني الجديد، ذات الخدمات والبنية التحتية العصرية — فلتُبنَ مدينة جديدة على الأرض الفارغة، لا على أنقاض الذاكرة.

هذا ليس حلماً خيالياً. هذا ما فعلته مدن كثيرة في العالم حين أرادت أن تتقدم دون أن تخون ماضيها.

التجديد الحقيقي لا يخاف من الماضي

الهوية ليست عائقاً أمام التقدم. الهوية هي الأساس الذي يجعل التقدم ذا معنى.

مدينة بلا هوية هي مجرد مجموعة مبانٍ. أما المدينة الحقيقية، فهي المكان الذي حين تعود إليه بعد سنوات، تعرفه ويعرفك.

القنيطرة تستحق أن تكون مدينة مقدامة — نعم. لكنها تستحق أيضاً أن يبقى فيها شيء يقول لأبنائها وأحفادهم: هنا كان جدكم، هنا كانت قصتكم، هنا أنتم.

#”المدينة التي تنسى ماضيها لا تبني مستقبلاً — تبني نسياناً.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى