
يشهد قطاع النقل الجوي بالمغرب دينامية متواصلة تعكس تعافيًا تدريجيًا وتعزيزًا لمكانة المملكة كوجهة دولية بارزة، وذلك في ظل ارتفاع ملحوظ في حركة المسافرين ومؤشرات الأداء المرتبطة بالمطارات الوطنية. فقد أفاد المكتب الوطني للمطارات بأن عدد المسافرين عبر مختلف مطارات المملكة بلغ 5.909.802 مسافرًا إلى غاية متم شهر فبراير 2026، مسجلًا نموًا بنسبة 7,91 في المائة مقارنة مع الفترة ذاتها من السنة الماضية، وهو ما يؤكد استمرار المنحى التصاعدي الذي يعرفه القطاع منذ رفع القيود المرتبطة بالجائحة.
ويبرز من خلال هذه الأرقام أن وتيرة الانتعاش لم تعد ظرفية أو مرتبطة فقط بموسم سياحي معين، بل أصبحت تعكس تحولًا هيكليًا في الطلب على النقل الجوي، سواء من طرف الجالية المغربية المقيمة بالخارج أو السياح الأجانب، فضلًا عن تنامي الرحلات المهنية والتجارية.

هيمنة مطار محمد الخامس وتوسع دور المحاور الجوية
في صدارة هذا الأداء، يواصل مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء تعزيز موقعه كمحور رئيسي للنقل الجوي بالمغرب، حيث استحوذ على أكثر من 31 في المائة من إجمالي حركة المسافرين، بعد استقباله 1.883.441 مسافرًا خلال الشهرين الأولين من السنة الجارية، مسجلًا بذلك نموًا بنسبة 11,76 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من سنة 2025.
ويعكس هذا التطور المكانة الاستراتيجية التي يحتلها المطار، ليس فقط كبوابة رئيسية للمملكة، بل أيضًا كنقطة عبور (Hub) تربط بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. كما يستفيد من توسع شبكة الخطوط الجوية وتعزيز الرحلات الدولية، خاصة من طرف شركات الطيران الوطنية والدولية.
غير أن اللافت في معطيات المكتب الوطني للمطارات هو الأداء المتوازن نسبيًا لباقي المطارات، ما يشير إلى توجه نحو تخفيف الضغط عن محور الدار البيضاء وتوزيع الحركة الجوية بشكل أكثر عدالة على باقي جهات المملكة.
مطارات جهوية تسجل قفزات لافتة
في هذا السياق، سجلت مجموعة من المطارات الجهوية نسب نمو مهمة، تؤشر على تحسن جاذبية الوجهات السياحية والاقتصادية خارج المحور التقليدي. فقد تصدر مطار بني ملال قائمة المطارات من حيث نسبة النمو، بزيادة بلغت 32,58 في المائة، وهي نسبة تعكس انفتاح المنطقة على خطوط جوية جديدة وتحسن الطلب على السفر نحوها.
كما واصل مطار مراكش-المنارة، أحد أبرز الوجهات السياحية بالمغرب، تسجيل أداء قوي بنسبة نمو بلغت 10,40 في المائة، مدعومًا بالإقبال المتزايد للسياح الأوروبيين والدوليين على المدينة الحمراء. بدوره، سجل مطار أكادير-المسيرة ارتفاعًا بنسبة 7,81 في المائة، مستفيدًا من استعادة الوجهة السياحية لسوس ماسة لجاذبيتها.
أما مطار طنجة ابن بطوطة، فقد حقق نموًا بنسبة 7,23 في المائة، في ظل الدينامية الاقتصادية والصناعية التي تعرفها جهة الشمال، خاصة مع تطور المناطق الصناعية واللوجستية. وسجل مطار الرباط-سلا بدوره ارتفاعًا بنسبة 8,36 في المائة، ما يعكس تنامي الطلب على السفر من وإلى العاصمة، سواء لأغراض إدارية أو دبلوماسية أو سياحية.
كما لم يكن مطار الناظور-العروي بعيدًا عن هذا الحراك، حيث سجل زيادة بنسبة 8,68 في المائة، مدفوعًا أساسًا بحركة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
النقل الدولي يقود النمو
وتؤكد الأرقام أن المحرك الأساسي لهذا الانتعاش يظل النقل الجوي الدولي، الذي استحوذ على الحصة الأكبر من إجمالي حركة المسافرين. فقد بلغ عدد المسافرين عبر الرحلات الدولية 5.308.935 مسافرًا، مسجلًا نموًا بنسبة 8,18 في المائة، مقابل 600.867 مسافرًا عبر الرحلات الداخلية، التي ارتفعت بدورها بنسبة 5,60 في المائة.
ويعكس هذا التفاوت استمرار هيمنة الرحلات الدولية على نشاط النقل الجوي بالمغرب، في ظل ارتباط المملكة القوي بالأسواق الخارجية، سواء من حيث السياحة أو الجالية أو المبادلات الاقتصادية. كما يبرز في الآن ذاته محدودية النقل الداخلي مقارنة بالإمكانات المتاحة، وهو ما يطرح تساؤلات حول ضرورة تطوير هذا الشق، خاصة في ظل اتساع رقعة المملكة وحاجتها إلى ربط جوي أكثر فعالية بين جهاتها.
أوروبا في الصدارة وتنامي الأسواق البديلة
وعلى مستوى توزيع حركة النقل الدولي، تواصل أوروبا تصدرها بفارق كبير، حيث تمثل أكثر من 80 في المائة من إجمالي الحركة، مع تسجيل ارتفاع بنسبة 7,04 في المائة. ويعود ذلك إلى القرب الجغرافي، وكثافة الرحلات، فضلًا عن الروابط التاريخية والاقتصادية والإنسانية التي تربط المغرب بعدد من الدول الأوروبية.
غير أن المعطيات تكشف أيضًا عن تنامي ملحوظ في أسواق أخرى، ما يعكس تنويعًا تدريجيًا في الشركاء الجويين للمملكة. فقد سجلت حركة النقل نحو إفريقيا ارتفاعًا بنسبة 19,93 في المائة، في سياق تعزيز المغرب لحضوره الاقتصادي والدبلوماسي بالقارة.
كما ارتفعت الحركة نحو الشرق الأقصى بنسبة 20,08 في المائة، ما يعكس اهتمامًا متزايدًا من الأسواق الآسيوية بالمغرب، سواء في المجال السياحي أو الاستثماري. وسجلت منطقة المغرب العربي بدورها نموًا لافتًا بنسبة 37,19 في المائة، وهو ما قد يعكس تحسنًا نسبيًا في حركة التنقل الإقليمي.
أما الرحلات نحو الشرق الأوسط وأمريكا الشمالية، فقد سجلت بدورها زيادات بنسبة 7,48 في المائة و5,63 في المائة على التوالي، ما يعزز تنوع الشبكة الجوية للمغرب.
ارتفاع ملحوظ في حركة الطائرات والشحن الجوي
ولم يقتصر هذا الانتعاش على حركة المسافرين فقط، بل شمل أيضًا حركة الطائرات، حيث بلغ عدد الرحلات الجوية، سواء عند الوصول أو المغادرة، 44.554 رحلة إلى غاية نهاية فبراير 2026، مسجلًا ارتفاعًا بنسبة 11,65 في المائة مقارنة مع نفس الفترة من السنة الماضية.
ويعكس هذا التطور زيادة في وتيرة استغلال المطارات الوطنية وتحسنًا في مؤشرات الربط الجوي، سواء عبر الرحلات المنتظمة أو العارضة.
وفي ما يتعلق بالشحن الجوي، فقد سجل بدوره أداءً قويًا، حيث ارتفع بنسبة 23,98 في المائة، ليصل إلى أكثر من 21.354 طنًا، مقابل 17.223 طنًا خلال نفس الفترة من سنة 2025. ويعكس هذا الارتفاع الدينامية الاقتصادية والتجارية التي يشهدها المغرب، خاصة في ما يتعلق بالصادرات ذات القيمة المضافة العالية، مثل المنتجات الفلاحية والصناعية.
رهانات الاستدامة وتطوير البنية التحتية
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يواجه قطاع النقل الجوي بالمغرب مجموعة من التحديات، من بينها ضرورة مواكبة هذا النمو عبر تطوير البنيات التحتية للمطارات، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الربط الجوي الداخلي.
كما يظل رهان الاستدامة البيئية حاضرًا بقوة، في ظل التوجه العالمي نحو تقليص البصمة الكربونية لقطاع الطيران، وهو ما يتطلب استثمارات في الطاقات النظيفة والتكنولوجيات الحديثة.
في المقابل، تفتح هذه الدينامية آفاقًا واعدة أمام الاقتصاد الوطني، سواء من خلال دعم القطاع السياحي أو تعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية، فضلًا عن تقوية موقعها كمحور جوي إقليمي.




